أكد أحمد رحو، رئيس مجلس المنافسة، أن النموذج الحالي لتسيير الصيدليات في المغرب بلغ حدوده وأصبح يطرح تحديات مرتبطة بارتفاع الضغط المالي على الأدوية وضعف الخدمات المقدمة للمواطنين، داعيا إلى فتح نقاش وطني حول إصلاح المنظومة بما يسمح بتطوير القطاع وتحسين الولوج إلى الدواء.
وأوضح رحو، في كلمة له خلال ندوة صحفية نظمها مجلس المنافسة لتقديم مخرجات رأيه حول وضعية سوق المنافسة في سوق توزيع الأدوية بالمغرب، أن رقم معاملات سوق الأدوية في المغرب يبلغ نحو 25 مليار درهم، يمر حوالي 13 مليار درهم منها عبر الصيدليات، وأن نحو 60 في المائة من هذه المداخيل تذهب إلى سلسلة التوزيع، وهو ما يعني أن جزءا مهما من التكلفة يتحمله المواطن بشكل مباشر أو غير مباشر.
ورغم أن عدد الصيدليات في المغرب يعتبر كافيا مقارنة بعدد السكان، يضيف المتحدث، فإن الإشكال لا يكمن في العدد بقدر ما يرتبط بعدد ساعات الاشتغال وجودة الخدمة، حيث يجد المواطن صعوبة أحيانا في العثور على صيدلية مفتوحة خلال بعض الفترات من اليوم، خاصة بين منتصف النهار وبداية المساء.
كما شدد رئيس مجلس المنافسة على أهمية حضور الصيدلي داخل الصيدلية وتسليمه للأدوية بنفسه، باعتباره المسؤول عن قراءة الوصفة الطبية والتأكد من سلامتها قبل صرف الدواء، مبرزا أن عددا من الدول تفرض مراقبة صارمة على هذه المسألة وتفرض عقوبات مالية في حال تسليم الأدوية من طرف غير الصيدلي.
وأشار رحو إلى أن أحد أسباب محدودية ساعات عمل الصيدليات في المغرب يعود إلى أن غالبية الصيدليات يعمل بها صيدلي واحد فقط، في حين تعتمد دول أخرى نموذجا يقوم على وجود ثلاثة أو أربعة صيادلة في الصيدلية الواحدة، ما يسمح بالتناوب وتوسيع ساعات الخدمة.
وفي السياق ذاته، حذر المسؤول من أن الضغط المالي المتزايد على الأدوية قد يزداد مع توسع ورش التغطية الصحية الشاملة، موضحا أن كلفة هذا النظام تتحملها في نهاية المطاف مساهمات المواطنين، ما يفرض البحث عن حلول لتخفيف العبء عن أسعار الأدوية.
ومن بين هذه الحلول، دعا رحو إلى تنويع مصادر مداخيل الصيدليات عبر تطوير ما يعرف بمنتجات “البارافارماسي” مثل منتجات العناية بالجسم والتغذية الصحية، والتي تمثل في بعض الدول ما بين 20 و30 في المائة من رقم معاملات الصيدليات، بل تصل في حالات معينة إلى نحو 50 في المائة.
ولفت إلى أن نموذج الصيدليات في دول عدة يقوم على مساحات عرض واسعة للمنتجات الصحية وشبه الطبية، ما يتيح للصيدليات موارد مالية إضافية ويخفف الضغط على أرباح بيع الأدوية فقط، خلافا للوضع السائد في المغرب حيث يظل النشاط مركزا أساسا على بيع الأدوية.
كما حذر رحو من الوضعية المالية الصعبة لعدد من الصيادلة، مشيرا إلى أن ما بين 4000 و5000 صيدلي يواجهون صعوبات مالية، بعضها مرتبط بارتفاع تكاليف الاستثمار التي قد تصل إلى أربعة أو خمسة ملايين درهم لفتح صيدلية، إضافة إلى التزامات الحياة اليومية.
وفي هذا الإطار، دعا إلى التفكير في نماذج تنظيمية جديدة تسمح بإدخال أشكال من الشراكة أو التكتلات بين الصيدليات، أو الانخراط في شبكات مشتركة للشراء والتوزيع، بما يمكن الصيادلة الصغار من الولوج إلى الأدوية وتحسين قدرتهم التنافسية.
وأكد رئيس مجلس المنافسة أن هذا التوجه لا يعني المساس بدور الصيدلي أو السماح لغير المختصين ببيع الأدوية، بل يقوم على الفصل بين الاستثمار ورأس المال من جهة، والمسؤولية المهنية التي يجب أن تظل بيد الصيدلي من جهة أخرى.
وفي سياق متصل، أشار إلى أن بعض الصيدليات الصغيرة لا تستطيع توفير أدوية مرتفعة الثمن، خصوصا بعض أدوية الأمراض الخطيرة، بسبب شروط الائتمان المفروضة من طرف الموزعين، وهو ما يمكن تجاوزه عبر الانضمام إلى شبكات مشتركة للشراء.
كما اقترح رحو إعادة النظر في توزيع الصيدليات جغرافيا بما يضمن وجود صيدلية قريبة من المواطن في حدود كيلومتر واحد خلال النهار، وعلى مسافة كيلومترين أو ثلاثة خلال الليل، بما يسهل الولوج إلى الدواء دون الحاجة إلى التنقل لمسافات طويلة.
وشدد رئيس مجلس المنافسة على أن الإصلاح المنشود يتطلب نقاشا وطنيا واسعا يضم الصيادلة والحكومة والبرلمان والفاعلين الاقتصاديين والمجتمع المدني، معتبرا أن الهدف النهائي هو تحسين الخدمة المقدمة للمواطن وضمان استدامة مهنة الصيدلة في إطار اقتصاد سوق تنافسي.

